ما وراء نيران الساحل السوري.. وكيف استطاعت أن تترك خلفها كارثة إنسانية؟

«لم نعد نميّز لون الأرض… الرماد غطّى كل شيء»، بهذه الكلمات الموجعة وصف أبو خالد، أحد الفلاحين في الساحل السوري، المشهد بعد أن التهمت النيران حقله الذي ورثه عن أبيه منذ أكثر من أربعين عامًا.
لم يكن وحده في هذه المأساة؛ فمئات المزارعين في محافظات اللاذقية وطرطوس وحماة يقفون اليوم على أطلال أراضٍ كانت حتى وقت قريب خضراء نابضة بالحياة.
فبحسب وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، منذ مطلع عام 2025 تحوّلت سوريا إلى ساحة مفتوحة للحرائق، تجاوز عددها 9,600 حريق، في حصيلة تُعدّ الأعلى منذ عقود.
الغابات أولى الضحايا… والحقول تتبع:
وأوضحت وزارة الطوارئ في منشور على صفحتها في «فيس بوك» أن حرائق الغابات والأحراج شكّلت الحصة الأكبر.
حيث تم تسجيل 748 حريقاً في الغابات، و1400 حريق في الأراضي الزراعية. كما تعاملت فرق الإطفاء مع نحو ألفي حريق في منازل المدنيين، إضافة إلى مئات الحرائق في المحال التجارية ومكبات النفايات والحدائق والمباني العامة.
وكانت محافظة اللاذقية الأكثر تضررًا؛ إذ أحرقت النيران أكثر من 11,000 هكتار من الغابات ونحو 2,000 هكتار من الأراضي الزراعية خلال الصيف فقط، بحسب بيانات وزارة الزراعة وتقارير إعلامية محلية.
وفي محافظات طرطوس وحماة وحمص، أتت الحرائق على مساحات مماثلة من المحاصيل الموسمية، خاصة القمح والشعير وأشجار الزيتون.
ما وراء الكارثة:
وتُعزى أسباب توسّع رقعة النيران بشكل أساسي إلى الظروف المناخية، إذ تؤدي درجات الحرارة المرتفعة والرياح الجنوبية الغربية النشطة إلى انتقال الشرر لمسافات بعيدة.
ما يجعل إخماد الحريق أكثر تعقيداً، خصوصاً في المناطق ذات الغطاء النباتي الكثيف.
تقول تقارير بيئية إن الاحتباس الحراري والتغير المناخي لعبا دورًا مباشرًا في تفاقم الظاهرة، خاصة مع امتداد الصيف لفترة أطول من المعتاد.
وفي بعض المناطق الجبلية، تمنع الألغام وبقايا المتفجرات فرق الإنقاذ من الوصول بسرعة إلى مواقع النيران، ما يزيد من انتشارها واتساع رقعتها.
وفي هذا الصدد أفاد تقرير لـ OCHA / ReliefWeb بأن من بين معوقات إطفاء الحرائق في الساحل السوري وجود مخلفات الحرب (ألغام ومتفجّرات / explosive ordnance) والذي عرقلت وصول الفرق ووسع رقعة الحريق.
كما أن سنوات الحرب أضعفت قدرات فرق الإطفاء المحلية؛ فالكثير من المعدات متهالكة أو خارج الخدمة، وعدد طائرات الإطفاء لا يتناسب مع حجم الكارثة.
هل الحرائق مفتعلة؟
أرجع ناشطون اندلاع النيران المتزامنة في مواقع عدة بريف اللاذقية – مثل دمسرخو والعمرونية – إلى “أيادٍ خفية”، مشيرين إلى حريق كبير نشب قرب إحدى الثكنات العسكرية.
في حين تحدث شهود عيان عن سرعة انتشار النيران وصعوبة السيطرة عليها.
كما تداول مدونون أيضًا فرضيات عن تورّط تجار فحم في إشعال بعض الحرائق لاستغلال الأخشاب، غير أن مختصين استبعدوا ذلك، مؤكدين أن الأشجار المحترقة لا تصلح لصناعة الفحم.
من جانبه، أعلن وزير الداخلية السوري أنس خطاب أن الوزارة فتحت تحقيقات رسمية حول شبهات افتعال الحرائق، مشيرًا إلى وجود “شخصيات قيد الاشتباه”، لكنه شدد على أن الأدلة لم تكتمل بعد، وأن النتائج النهائية لم تُعلن حتى الآن.
ماذا يقول الخبراء؟
أفاد الخبير في منظمة الأغذية والزراعة بالأمم المتحدة (فاو) نور الدين منى، بأن الحرائق التي شهدتها سوريا سواء في فترة النظام البائد أو في المرحلة الحالية هي من حيث الشكل واحدة، لكن ما يختلف هو الهدف منها.
وذكر الخبير الأممي أن نحو 90% من الحرائق تصنف كمفتعلة من الناحية العلمية، إذ تشعل عمدًا لأسباب بشرية، مثل توسعة الأراضي الزراعية، فيقدم المزارع على الحرق ثم يفقد السيطرة على النيران.
وكشف منى أنه في السياق السوري تصل نسبة الحرائق الناتجة عن تدخل بشري إلى 99%، أما العوامل الطبيعية كالبرق أو حرارة الشمس المرتفعة أو الصخور القابلة للاشتعال، فلا تتجاوز نسبتها ما بين 5 إلى 7%.
وبحسب منى، إن الحرائق قبل سقوط النظام السابق كانت تفتعل غالبًا من قبل مافيات الأراضي وقاطعي الأشجار أو الباحثين عن الفحم، وتم القبض على بعض الأفراد الذين كانوا على صلة بتجار مرتبطين بالسياسة.
غابات تحترق.. واقتصاد ينهار:
أشار خبراء إلى أن الحرائق السنوية في سوريا لم تعد مجرد حوادث طبيعية، بل أصبحت أزمة متعددة الأبعاد تمس البيئة، الاقتصاد، والمجتمع.
ووضح المهندس الزراعي باسل ديوب أن تكرار الحرائق يسبب خسائر بيئية جسيمة، بما في ذلك استنزاف التربة ومنع نمو النباتات، مشيرًا إلى أن الغابات الحرجية مثل الصنوبر البري والكستناء تحتاج 10 إلى 15 سنة للتعافي الطبيعي.
وأشارت الدكتورة رقية الحسن، رئيسة قسم بحوث نظم المعلومات بالهيئة العامة للبحوث الزراعية، إلى أن الحرائق تسرع التعرية وتقلل قدرة التربة على الاحتفاظ بالمياه.
ما يزيد خطر الفيضانات والانجرافات ويهدد حياة سكان المخيمات والأرياف، إضافة لتدمير المحاصيل الزراعية وتعميق أزمة الأمن الغذائي.
ووفق إحصاءات مؤسسة “مدد للتنمية وبناء السلام”، خسرت سوريا منذ 2011 نحو 90 إلى 120 ألف هكتار من الغابات، بما يعادل أكثر من 100 مليون شجرة، مع أكبر الخسائر في محافظات الساحل، بحسب تقرير منظمة “PAX”.
حين تتحول حياة الناس إلى رماد:
سببت الحرائق الأخيرة في سوريا في نزوح وتضرر آلاف العائلات من مناطقها، خاصة في محافظات اللاذقية وطرطوس في القرى المتضررة أبرزها بيت عيوش، المزرعة، الصبورة، والبسيط.
كما تم إخلاء مالا يقل عن سبع قرى كإجراء وقائي، وتسببت الحرائق في خروج محطة توليد الكهرباء في منطقة البسيط عن الخدمة نتيجة أضرار طالت خطوط التوتر المتوسط.
ما أدى إلى انقطاع الكهرباء وتوقف ضخ المياه. كما سُجلت حالات نفوق في حيوانات المزارع.
حيث أشار منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية مارتن غريفيث إلى أن مئات العائلات اضطرت للنزوح الفوري من منازلها.
ووفقًا لتقرير الاتحاد الأوروبي/خدمات الحماية المدنية، تأثر أكثر من 17 ألف شخص، وأجبر نحو 2,800 شخص على الفرار مؤقتًا من مناطقهم.
كما تضررت مصادر رزق العديد من الأسر، حيث أُتلفت المحاصيل الزراعية، بما في ذلك حقول الزيتون، وتدمّرت الأراضي الزراعية الخصبة، ما أدى إلى تفاقم أزمة الأمن الغذائي في البلاد.